الغرناطي الكلبي

25

التسهيل لعلوم التنزيل

ذلك أنه قال قولا ظاهره الكذب ، وإن كان القصد به معنى آخر ، ويدل على ذلك قوله * ( فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ) * لأنه أراد به أيضا تبكيتهم وبيان ضلالهم * ( فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ ) * أي رجعوا إليها بالفكرة والنظر ، أو رجعوا إليها بالملامة * ( فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ) * أي الظالمون لأنفسكم في عبادتكم ما لا ينطق ولا يقدر على شيء أو الظالمون لإبراهيم في قولكم عنه إنه لمن الظالمين ، وفي تعنيفه على أعين الناس * ( ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ ) * استعارة لانقلابهم برجوعهم عن الاعتراف بالحق إلى الباطل والمعاندة فقالوا * ( لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ) * أي فكيف تأمرنا بسؤالهم فهم قد اعترفوا بأنهم لا ينطقون ، وهم مع ذلك يعبدونهم فهذه غاية الضلال في فعلهم ، وغاية المكابرة والمعاندة في جدالهم ، ويحتمل أن يكون نكسوا على رؤوسهم بمعنى رجوعهم من المجادلة إلى الانقطاع فإن قولهم : لقد علمت ما هؤلاء ينطقون : اعتراف يلزم منه أنهم مغلوبون بالحجة ، ويحتمل على هذا أن يكون نكسوا على رؤوسهم حقيقة : أي أطرقوا من الخجل لما قامت عليهم الحجة * ( أُفٍّ لَكُمْ ) * تقدم الكلام على أف في [ الإسراء : 23 ] * ( قالُوا حَرِّقُوه ) * لما غلبهم بالحجة رجعوا إلى التغلب عليه بالظلم * ( قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وسَلاماً ) * أي ذات برد وسلام ، وجاءت العبارة هكذا للمبالغة ، واختلف كيف بردت النار ؟ فقيل : أزال اللَّه عنها ما فيها من الحرّ ، والإحراق ، وقيل : دفع عن جسم إبراهيم حرها وإحراقها مع ترك ذلك فيها ، وقيل : خلق بينه وبينها حائلا ، ومعنى السلام هنا السلامة ، وقد روى أنه لو لم يقل : سلاما لهلك إبراهيم من البرد . وقد أضربنا عما ذكره الناس في قصة إبراهيم لعدم صحته ، ولأن ألفاظ القرآن لا تقتضيه . * ( إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها ) * هي الشام خرج إليها من العراق ، وبركتها بخصبها وكثرة الأنبياء فيها * ( نافِلَةً ) * أي عطية ، والتنفيل العطاء ، وقيل سماه : نافلة لأنه عطاء بغير سؤال ، فكأنه تبرع ، وقيل : الهبة إسحاق ، والنافلة يعقوب ، لأنه سأل إسحاق بقوله : هب لي من الصالحين فأعطى يعقوب زيادة على ما سأل ، واختار بعضهم على هذا الوقف على إسحاق لبيان المعنى ، وهذا ضعيف لأنه معطوف على كل قول * ( يَهْدُونَ بِأَمْرِنا ) * أي يرشدون الناس بإذننا * ( وَلُوطاً ) * قيل : إنه انتصب بفعل مضمر يفسره آتيناه ، والأظهر أنه انتصب بالعطف على موسى وهارون أو إبراهيم وانتصب ونوحا وداود وسليمان وما بعدهم بالعطف أيضا ، وقيل بفعل مضمر تقديره : اذكر * ( آتَيْناه حُكْماً ) * أي حكما بين الناس : أو